يحيي بن حمزة العلوي اليمني
217
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
التقسيم الثاني باعتبار حالها إلى [ قريبة وبعيدة ] ، ونعنى بالقريبة ما يكون الانتقال إلى المطلوب بأقرب اللوازم ، ونريد بالبعيدة ما يكون الانتقال إلى مطلوبها من لازم أبعد منه ، ومثال القريبة قوله « بعيدة مهوى القرط » فإنه كناية عن طول عنقها ، وهذا حاصل على القرب من غير اعتبار واسطة ونحو قوله « أبت الروادف والثدي لقمصها » فإنه كناية عن كبر الأعجاز ، ونهود الثدي ، وهذا كله معدود في واضح الكناية . وأما الخفي من القريب منها كقولك : فلان عريض القفا ، فإنه كناية عن الأبله ، من الناس ، وقولهم أيضا فلان عريض الوساد ، فإنه كناية عن هذه الكناية ، وكقول بعضهم يهجو من به داء الأسد وهو البخر : أخو لخم أعارك منه ثوبا * هنيئا بالقميص المستجد وقال بعضهم في رجل يهجوه : أراد أبوك أمك يوم زفت * فلم يوجد لأمك بنت سعد فقوله بنت سعد ، جعله كناية عن العذرة ، فهذا كله يحصل على القرب في الكناية . ومثال البعيدة قولهم : فلان كثير الرماد ، فهذا تكثر فيه الوسائط ، لأنك تنتقل من كثرة الرماد إلى كثرة الجمر ، ثم إلى كثرة الإحراق تحت القدر ، ثم إلى كثرة الطبائخ ، ثم إلى كثرة الآكلين ، ثم إلى كثرة الأضياف ، ثم كونه مضيافا ، وهذا كقولك فلان جبان الكلب ، مهزول الفصيل ، فإن الوسائط تكثر فيهما ، فلهذا كان ما هذا حاله معدودا في بعيد الكناية . التقسيم الثالث باعتبار حكمها إلى [ حسنة وقبيحة ] ، فالحسنة ما قدمنا ذكره من الأمثلة ، ومن هذا ما ورد في السنة النبوية وهو أن امرأة جاءت إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم تسأله عن غسلها من الحيض ، فأمرها كيف تغتسل ، ثم قال لها : خذي قرصة من مسك فتطهري بها ، فقالت كيف أتطهر بها ، فقال تطهري بها ، فقالت كيف أتطهر بها ، فقال سبحان الله ، تطهري بها ، قالت عائشة فاجتذبتها من ورائها ، وقلت لها تتبعي بها آثار الدم ، فقولها : آثار الدم ، كناية عن الفرج ، ومنه قول أعرابية تصف زوجها : له إبل قليلات المسارح ، كثيرات المبارك ، إذا سمعن صوت المزهر ، أيقن أنهن هوالك ، ومثال القبيحة ما تخلو عن الفائدة